المنزع العقلي في كتاب الإمتاع و المؤانسة
إن الحديث عن المنزع العقلي في كتاب الإمتاع و
المؤانسة يستوجب إعادة النظر في موضوعات الكتاب وفيما دار بين أبي حيّان و الوزير
من مسامرات و أحاديث و تساؤلات وتعليقات.
غير أننا نحتاجإلى تحديد
مفهوم العقل لدى أبي حيّان خاصّة و أنّ الرجل قريب في أدبه من الفلسفة لاسيما و
انه " أديب الفلاسفة و فيلسوف الأدباء " .
و لئن اتّجهالتّوحيدي في
كتابه وجهة أدبية فنية فإنّ الكتاب لا يخلو من عمق التفكير الدال علىامتلاك صاحبه
قدرة عقلية فائقة جعلته يحوّل متعة السّمر إلى مواقف فكرية و إفرازاتعقلية ثابتة و
دقيقة و لربّما احتاج دارس هذا الموضوع إلى مراجعة مؤلفات أخرى لأبيحيّان مثل :
" الهوامل و الشوامل" و "البصائر و الذخائر " , يظفر بفهم
متكامل لمدلولالعقل لدى أبي حيّان .
إن دراسة مؤلفاتالتوحيدي تبين
أن العقل في أدبه نوعان ::
- 1 عقل مفكّر فيمشاغل الخاصة الفكرية و الفلسفية و
اللغوية و الأدبية و المساهمة في تدارس القضاياالثقافية العامة المطروحة في
الأوساط الفكرية في عصره.
- 2 عقل ناقد متفحصلحياة الناس بمختلف وجوهها السياسية و الاجتماعية و
العقائدية...و هو عقل يحللالموجود و يشير إلى مواضع الخلل مقترحا أوجه إصلاحه.
بهذا يكون العقلفي الإمتاع و
المؤانسة ضربان : عقل مفكّر و منظّر وعقل ناقد مصلح .
منزلة العقل عند التوحيدي i-
يعتبر التوحيدي أن للعقل
منزلة متميزة متفرّدة و ذلك من خلال القرائن التالية :
العقل بما هوهبة إلهية : -1 يرى
التوحيدي أن العقل هبة ربانية و قوّة تميّز الإنسان عن سائرالمخلوقات. يقول:"
وهب الإنسان الفطرة, و أعين بالفكرة و رفد بالعقل..."و يقول أيضا "العقل قوة إلهية و هو خليفة الله" العقل بما هوأساس التفاضل بين الناس : - 2 اعتبر
التوحيدي أن الناس لا يتفاضلون بالمال أو الجاه أوبالانتماء العرقي و إنما بالعقل
لا غير. يقول :"فهو الذي يتفاضل به المتفاضلون والمدار عليه ". العقل بما هوأساس الغنى الحقيقي : - 3 يقرر
التوحيدي أن الغنى الحقيقي هو الغنى العقلي و أن الفقرالحقيقي هو الفقر من العقل و
العلم . يقول :" من حرمه فهو أنقص من كل فقير".
العقل لما هومصدر الحقيقة : - 4 التوحيدي
أن الحكمة و العلم و الحقيقة مصدرها العقل لا غير . يقول:" العقل ينبوع العلم" و يقول :" صواب بديهة الفكرة
من سلامة العقل " و يقول :" من قلّنصيبه من العقل كثر نصيبه من الحمق ".
العقل بما هوأفضل من المال : - 5 يؤكد
التوحيدي أن العلم أفضل من المال و أن جوهر التفضيل للعلم علىالمال أرجعه إلى
أفضليّة النفس العاقلة على النفس الشّهويّة يقول :" حظّ الإنسان منالمال إنما
هو من قبيل النّفس الشّهويّة....و حظّه من العلم إنما هو من قبيل النفسالعاقلة".
و ينتهيالتوحيدي إلى اعتبار
أنّ ضياع المال يورث مالكه الضياع و الحسرة بينما صاحب العلملا خشية عليه حيث يقول
:" لا ترى عالما سرق علمه و ترك فقيرا.. و قد رأيت جماعةسرقت أموالهم و نهبت
و بقي أصحابها محتاجين لا حيلة لهم ".
ii مظاهر انعكاس العقل في
الإمتاع والمؤانسة
مظاهر المنزع العقلي في القضايا السياسية و الاجتماعية و
الثقافية و الدينية - 1
في
القضاياالسياسية : تصوير التوحيدي لفساد الحكم و الحاشية
و لرداءة الوزراء إضافة إلى رسم ملامح العلاقة بين الرّاعي و الرعية ...
ب- مثال في فساد الرّاعي - ب يقول التوحيدي ّ انهمكوا في القصف و العزف و أعرضوا عن
المصالح الدّينية و الخيراتالسياسية "
ت - مثال في فسادالحاشية :يقول :" ومنابع الفساد و منابت
التّخليط كلّها من الحاشية التي لا تعرف نظام الدّولة و لااستقامة المملكة ".
ث - مثال في رداءةالوزراء : يقولمتحدثا عن الوزير ابن عبّاد :" لا يرجع إلى الرقة و
الرأفة و الرحمة , و النّاس كلّهم محجمون عنه لجرأته و سلاطته و اقتداره و بسطته ,
شديد العقاب طفيف الثّواب ".
ج- دعوته الساسة إلى الاستنارة
بآراءالعقلاء و مراقبة الحاشية و الاقتصاد في الشهوات و النّزوات و النّظر في
أمورالرّعية و رفع مظالم الحاشية عنها . يقول التوحيدي موجّها الكلام إلى ابن
سعدان :" و آخر ما أقول أيها الوزير : مر
بالصدقات فإنها مجلبة السّلامات و الكرامات و مدفعةللمكاره و الآفات , و اهجر
الشّراب و أدم النظر في المصحف و افزع إلى الله فيالاستخارة و الثقات بالاستشارة ".
ح - دعوة السّاسة إلى اصطفاء حاشية
نصوحةقادرة على توجيههم نحو الحلول السّليمة . يقول مخاطبا ابن سعدان :" لا
تبخل علىنفسك برأي غيرك ....فان الرّأي كالدّرة التي ربّما وجدت في الطّريق
والمزبلة"
خ - دعوة السّاسة إلى النّظر في
شؤونالرّعية و تخفيف المحن و الشقاء و الفقر عنها لانّ تعمق الفاقة يولّد الثورة
والتمرّد.
د - دعوة السّاسة إلى مراقبة الحاشيةلانّ
التوحيدي يراها أصل الفساد و البلاء و المحن لأنّهم "قوم همّهم أن
يأكلوارغيفا و يشربوا قدحا, لا هم ممّن يقتبس من علمهم و لا هم يتكلّفون له نصحا "
القضايا الاجتماعية : إنّ متابعة أبي حيّانللظّاهرة الاجتماعية ليست مجرد وصف أو
نقل لما يدور في الأوساط الاجتماعية أو تصويرلحياة الناس كما شاهدها و عايش
أوضاعها , و إنما هي متابعة واعية تحاول فهم الظّاهرةفي مختلف مكوّناتها تحديدا لعواملها
و انعكاساتها على العامّة و الخاصّة ,إنّه فهممتبصّر لا يكتفي بالمعاينة بل يسعى
إلى تتبع المعطيات تتبعا عميقا , و بهذا تسنّىلأبي حيّان أن يكون شاهدا واعيا
معاينا مدركا لأسرار ما شاهدته حضرته و بذلك كانتأجوبته على أسئلة الوزير دقيقة
وعميقة.
و يتسم وصف التوحيدي لمجتمعه
بإتباع منهجية مقنعة تدّل على أنه تمكن من رصد جميع المعطيات التييحتاجها تحليله.
لذلك كان حديثه شافيا رسم من
خلاله الحالة الاجتماعية , فقد تعّرض التوحيدي إلى ما تعانيه العّامةمن فقر و
خصاصة بالإضافة إلى ظاهرة التفاوت الطبقي المجحف التي أحدثت خللا في العلاقات
الاجتماعية ممّا ولّد تناحرا بين الأجناس ( ظاهرة الشعوبية ).
و هذه الأوضاع أدّت إلى عدّة
ثورات و انتفاضات احتجاجا على سياسةالرّاعي و ما نتج عنها من رداءة في الواقع
الاجتماعي.
يقول متحدّثا عنظاهرة
الفقر" إنها تشكو غلاء القوت و عوز الطعام و تعذّر الكسب و غلبة
الفقرو تهتك صاحب العيال..." .
و يعلّق علىرداءة التجّارقائل
ا:" أما أصحابالأسواق فإنّا لا نعدم من أحد منهم خلقادقيقا و دينا رقيقا و
حرصا مسرفا و دناءة معلومة ...قد تعاطوا المنكر حتى عرف وتناكروا المعروف حتى نسي ."
و يشير إلىمسألة رداءة العلاقات
الاجتماعية قائلا :" أرى واحدا في فتل حبل و آخر فيحفر بئر و آخر في نصب
فخّ و آخر في دسّ حيلة و آخر في تقبيح حسن و آخر في شحذ حديدو آخر في تمزيق عرض و
آخر في اختلاق كذب ..." و هذا ما كان سببا في انهيار صرح المجتمع . و يقول " سفكت الدّماء و استبيح الحريم و شنّت الغارات
و خرّبت الدّيارات و فشا الكذب و المحال و أصبح طالب الحق حيران و محبّ السلامة
مقصودا بكلّ لسان .."
رسم
الأوضاعالثقافية:
لم تكن الحياة الثقافية بمعزل
عن تناقضات المجتمع و محاور الصّراع و أمراض السّلطة . و إذا كان للمجالس الثقافية
و الفكريةالتي أقامها الوزراء و الأعيان فائدة في تنشيط الحركة الثقافية إلاّ أنّ
المثقف في مثل هذه المجالس يكو ن مسلوبا من حرّية الرّأي و التّفكير المغاير
لأهداف صاحب المجلس .
و يعترف التّوحيدي بمصادرة
الفكر و تبعية الأديب في عصر كان القلم فيه أداة للتكسّب و البيع في سوق الكساد .
و يقول :" إنّ العاجلة محبوبة و الرّفاهية مرغوبة و المكانة عند الوزراء
مطلوبة و الدنيا خضرة حلوة , و من التهب طعمه ظهرعجزه و العزلة محمودة إلا أنها
محتاجة إلى الكفاية".
و قد حدّدالتوحيدي طبقات
المثقفين و حصرها في العلماء و الأدباء و المتكلمين و القضاة والصّوفية . و قد
ندّد بالفلاسفة الذين احتكروا المعرفة و استخدموها للمكاسب المادية و يورد رأي ابن
يعيش اليهودي الذي يشكو من الفلاسفة قائلا:" بأنهم صدّوا عن الطريق و طرحوا
الشّوك فيه , و اتخذوا من نشر الحكمة فخّا للمثالية "
إلاّ أنّ ذلك لم يثن التوحيدي
عن الإشارة إلى الحركة الثقافية التيازدهرت في عصره و التي تجسّدها مجالس
المناظرات و المحاورات بين المذاهب إضافة إلىالمشاغل الفكرية و الفلسفية والكلامية
و البلاغية و الفقهية والنحوية.
- مثال في المشاغل الأدبية: ( المقارنة بين
النثر و النّظم – الموازنة البحتري و أبي تمام) يقول ابن سعدان " حدّثني في
اعتقادك في أبي تمّام و البحتري " (
-المشاغل الفكرية (قضية
الجبر و الاختيار / الحق و الباطل / النفس والجسد.. (
-المجالس والمناظرات ( المناظرة بين ابن يونس القناني و أبي
سعيد السيرافي (
رسم الواقع
الديني و العقادي:
سأل ابن سعدان أباحيّان عن
سبب اختلاف المذاهب و تباينها بقوله :" من أين دخلت الآفة على أصحابالمذاهب
حتى افترقوا هذا الافتراق و تباينوا هذا التباين , و خرجوا إلى التكفير والتّفسيق
و إباحة الدّم و المال .." فكان الجواب " إنّ المذاهب فروع الأديان ,
والأديان أصول المذاهب , فإذا ساغ الاختلاف في الأديان –و هي الأصول – فلم لا يسوغ
فيالمذاهب و هي الفروع "
بهذا التفسيرالمنطقي يرّد
التو حيدي على تساؤل ابن سعدان و يجيبه جوابا ربط فيه الأسباببمسبّباتها على طريقة
الجاحظ في أساليبه المنطقية.
لقد كشفالتوحيدي عن كثرة
المذاهب و الصّراع بين الفرق و التناحر بينها مما كان سببا فيتراجع الدّين و
انقلاب القيم و الإفلاس الأخلاقي...
يقول متعرّضالمسألة انقلاب
القيم " صار المنكر معروفا و المعروف منكرا" و يقول بارت البضائع وغارت
البدائع و كسد سوق العلم و خمد ذكر الكرم و صار الناس عبيد الدّرهم بعدالدّرهم"
و يقول متحدّثاعن كثرة
المذاهب و الفرق :" صار الناس أحزابا في النّحل و الأديان, فهذا نصيري وهذا
أشجعي و هذا جارودي و هذا قطعي و هذا جبّائي و هذا أشعري و هذا خارجي و
هذاشعيبي.... و من لا يحصي عددها إلاّ الله..."
و هذا التنوّعفي المذاهب ولّد صراعا و نستحضر هنا قول
ابن سعدان آنفا من أين دخلت الآفة على أصحابالمذاهب ....و إباحة الدّم و المال "
هكذا نرى أنّ احتفال التوحيدي
بالعقل في المستوى المضمون تجلى من خلال و وظائف العقل التالية:
العقل الناقد : اضطلاع العقل في الإمتاع و المؤانسة
بنقدالأوضاع السّائدة اجتماعيا و سياسيا و ثقافيا و عقائديا . فانتهى إلى أن
الزّمان الذي يعيش فيه " زمان تدمع له العين " و العقل الناقد تحقق من
دون تعصّب أو مذهبيةو إنما بجرأة و موضوعية و حرية . لذلك يقول ماجد يوسف :"
كان التوحيدي مفكّرا حرّالم ينتم لمذهب و لم ينضو في جماعة و لم يتحزّب لرأي".
العقل المصلح : سعى التوحيدي إلى تقديم حلول إصلاحية من شأنها أن تنقل
الموجودالمتدهور إلى عالم أجمل و الزّمان الذي تدمع له العين إلى مدينة فاضلة و
ذلك منخلال :
دعوته السّاسةإلى الاستنارة بآراء
العقلاء و مراقبة الحاشية و الاقتصاد في الشهوات و النّظر فيأمور الرعية و رفع
مظالم الحاشية عنها ...يقول التوحيدي مخاطبا ابن سعدانّ : " و آخرما أقول
أيّها الوزير : مرّ بالصدقات فإنها مجلبة السلامات و الكرامات و مدفعةللمكاره و
الآقات و اهجر الشراب و أدم النظر في المصحف و افزع إلى الله في الاستخارة والى
الثقات بالاستشارة.
العقل
المفكّر :
اضطلع العقل في الإمتاع و
المؤانسة بالتفكير في قضايا حارقة و معارف صعبة و أسئلة ماهوية في مجالات متعدّدة
فقد فكّر عقل التوحيدي في علم التنجيم وعلم السّحر و الكهانة و علم السّماع والغناء
و علم الطّب و الحيوان و النبات و الإنسان و علم الأخبار و النجوم و السّحب و علم
تعبير الرؤيا و الأحلام و علم اللّغة و البلاغة و المنطق و الفلسفة و علمالكلام...
العقل
المصحّح : كثيرا ما يتوسّل التوحيدي العقل من
أجل ممارسة الرّوح النقدية لبعض الرؤى أوالأفكار أو الأطروحات أو التصوّرات لينتهي
إلى دحضها و تصحيحها بعيدا في كل ذلك عن منطق
التعصّب أو الوثوقيّة و ملتزما الى أبعد الحدود بالرّوح الموضوعية من ذلك : اعتراضه على بعض آراء أستاذه أبي سليمان المنطقي أو دحضه
لتصّورات بعض المتكلّمين الذين قال عنهم " إن الطّريقة التي قد لزموها و
سلكوها لا تقضي بهم إلاّ إلى الشك والارتياب"
العقل الحجاجي : توسّل أبو حيان بالعقل في ممارسة
الحجاج وخاصّة في مجال :
- المناظرات مثل المناظرة بين النثر و الشّعر....
-المفاضلات : مثل المفاضلة بين العرب و العجم أو بين شعر أبي
تمام والبحتري .
و العقل الحجاجي في الإمتاع و
المؤانسة اقتضى من التوحيدي أن ينوّع المسارات الحجاجية ( حواري –برهاني –العرضي ) مثلما أملى
عليه تنويع الحجج (واقعية –منطقية
–تاريخية (....
العقل المؤرّخ أو التسجيلي:
توسّل التوحيدي العقل ليؤرخ
لبعض ملامح العصر أو ليسجّل بعض الأحداث أو المظاهر و قد تميّزالتوحيدي في هذا
المجال :
-الالتزام بصرامة
التاريخ و ذلك بذكر الأسماء و الأعلام و التّواريخ و نقل الأخبار الصحيحة بعدمعاينة
يقول معلقا عن ثورة الرّوم : » ذلك أن الرّم تهايجت على المسلمين فصارت إلى نصيبين بجامع
عظيم زائد على ما عهد على مرّ السنين و كان هذا آخر سنة 362 هجري فخاف الناس بالموصل و ما حولها .
-الحرص علىالموضوعية و الأمانة العلمية و من مظاهر ذلك تحليل
أحاديثه بشواهد من النّقل أوالواقع أو التّجربة , تحقيق النصوص و توثيقها و نسبتها
إلى أصحابها , و إذا اختصرالكلام الذي سمعه نبّه على اختصاره , و إذا حكى معنى و
عبّر عنه بأسلوبه صرّح بذلك . من ذلك قوله : فقال كلاما كثيرا أنا أحكيه على وجهة من
وجهة المعنى و إن انحرفت عن أعيان لفظه و أسباب نظمه , و اجتهد أن ألتزم متن
المراد و سمت المقصود ".